بسم الله، خالق الشمس و ضحاها، و القمر إذا تلاها، و النهار إذا جلاها، و الليل إذا يغشاها، خالق محمد و علي، سبحانه من خالق.
أنا أجادل كثيرا، و في الوقت نفسه كثير الفرار من الحوار، لكي لا أكون من المجادلين و الممارين، فأنا أذنب، و أتوب، أذنب و أتوب. و لهذا السبب عمري قصير، و زادي قليل، هكذا علمتني الهندسة، أن أكون وسطيا، و لا أكرر ثني القطع المعدنية، الإنسان، لأنه سينكسر، هكذا أمرني الرب، هكذا أمرتني الهندسة، هكذا أمرني الإمام الحق، علي، وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً.
نعم، الأئمة كثيرون، إمام جمعة، إمام مسجد، إمام ضلال، لكن الإمام هو علي، و إن قالت المعاجم، و الجرائد، و الكتب خلاف ذلك، فإنّ وجداني، و حقّي الذي وضعته لنفسي، و المبادئ المبعثرة التي أتلوها في كل صباح تقول خلاف ما تقوله، تلك المعاجم و الجرائد و الكتب و الألسنة و الأقلام.. الإمام هو أمام كل شيء، فقد سبق كل شيء، و إليه تشير الأصابع بالإيماء، إذ هو كالنجم عن يد المتناولين، و وصف الواصفين، ذلك علي، الذي باسمه تستمد الحياة حياتها.
بالأمس كنت أتحدث مع شخص يدرس الطب، و مثلي و مثل الكثير من أبناء الفئة الشابة، بدأ يمدح بتخصصه الآكاديمي مقابل تخصصي الآكاديمي، الهندسة. كلانا يعلم أنه لا فضل لتخصص على تخصص، لكن لي أن أعترف، معظم الأطباء أكثر تواضعا من المهندسين الذي يغلب عليهم صفة التكبر، و للطبيب أن يصبح رفيقا عند التعامل مع المرضى و المصابين. هناك صفة تغلب على المهندسين، التكبر. فالمهندس يرى في نفسه الكثير، و لا يدري بأنه لا شيء، ماذا فعل المهندس يا ترى لينفع البشرية؟ هل صنع أجهزة التبريد و السيارات للناس؟ لله؟ لنفسه؟ لا يسأل المهندس نفسه: كيف أصبحت مهندسا؟ طبعا إن سألته أنت سيكون جوابه: أنتهيت من المرحلة الثانوية بمعدل معين أهلني أن ألتحق بكلية الهندسة، و هذه الأجابة صحيحة، لكن ليس لها علاقة بالسؤال. أصبح المهندس مهندسا بفعل الظروف. فهذا المهندس المتكبر ولد في أسرة هيئت لولدها الظروف التي جعلته مؤهلا أن يلتحق بكلية الهندسة. و هذه الأسرة تهيئت لها ظروف جعلتها تستغني من أن تجعل ولدها المهندس البارع مساهما كبيرا في كسب لقمة العيش.. فالمهندس البارع الذي نشأ في عائلة رفاه له قصة كفاحه، لكن كفاحه مرتبط بظروفه، و هناك مهندس بارع نشأ في عائلة كفاحها أكبر، فهو الكفاح أجدر أن يكون متداولا بين ألسنة البشر، قصص الكفاح وسام شرف للماضين، و تحفيز للباقين. لكننا، نحن، صنيعة الظروف، ظروف أستغللناها لصالحنا، و الكفاح الذي يجب أن تلهج به الألسنة هو كفاح علي، الحق الذي لا ريب فيه.
إن عليا كان كل شيء، هو مهندس البشر و هو طبيبها، لو ثنيت له الوسادة، لأكل الناس من فوقهم، و من تحت أرجلهم، و لسقاهم ماء غدقا، لكننا رفضنا الصانع، و قررنا أن نهندس انفسنا بأنفسنا، و أن نعالج أنفسنا بأنفسنا، و كثيرا ما يخطأ المهندسون و الأطباء، فالأنسان لم يعمر عمر طويل كي يعرف الصحيح من السقيم و كي يملك علم الأولين و الأخرين، مثل علي، حيث كان عمره عمر نشأة الأرض إلى يوم القيامة كما صرح هو في مواضع عديدة، و الإنسان المهندس او الطبيب، لا يدري لماذا يهندس و يطبب، فهو لم يحدد نيته، و إن حدد نيته فهو لا يجددها، هل يهندس أو يطبب لنفسه؟ للناس؟ للمال؟ للزوجة؟ للسمعة؟ للرب؟ فإن أحاط الإنسان بالوقت، و العلم، و أختار نيته و جددها، لتعدى أشواط من العقبات، و للجأ إلى علي و سلّم الأمور إليه، لأن المهندس و الطبيب في ذلك الحين، محتاج إلى الكفاح، و إلى المثل الأعلى و القدوة الحسنى، علي و كفا.
إن أكثر الحق في ما ننكر، لذلك لا ننتصر، أنا أستشعر بأن الكثير من الأمور غائبة عن أذهاننا، لأننا غير متواضعين، لأننا لا نتواضع بل ننكر و نستكبر. و لأني مهندس، فانا متكبر، في بعض الأحيان، لذلك لا أنتصر في الكثير من الأحيان. الكبرياء المدفون في قلوبنا هو أحد أسباب الضعف الذي نعانيه. لماذا، أنا ضعيف الجسم؟ الجواب ببساطة: لأن الرب يريد لي القوة.. فإن قوى جسمي سأصبح متجبرا، متكبرا، ظالما، فإن زال الكبرياء تهيئت الظروف أن أصبح قويا، لأن الكبرياء، الظلم، “الضعف”. أنا ضعيف، لأني أعجل في مضغ الطعام، فلا تمتص معدتي ما يحتاجه البدن، لكنّي لو تأنيت في مضغ طعامي، تهيئت ظروف التأني في وجودي، و التأني قوّة. فلو نجحت في نهضتي و ثورتي، لكنت الكبرياء بعينه، لذلك شاء علي أن يزيل هذا الكبرياء قبل أي حركة ” ما من حركة إلا وأنت محتاج فيها إلى معرفة.” و “ما التقت فئتان قطّ إلاّ نصر أعظمهما عفواً.”هكذا يربي الأب أبنائه، بطريقة قاسية.. أحيانا.
” و قد علمت أنّه ليس في حكمك ظلم، و لا في نقمتك عجلة، فإنما يعجل من يخاف الفوت، و إنما يحتاج إلى الظلم الضعيف.”
من العيب علي أن أتثائب في وجه هذا الجمال، هذه العيون، هذه السماء، هذه الأرض، هذه الآيادي المبسوطة التي يجري عليها الخير.. هل هذه القلوب المملة، قلوب خلت من حبّ علي، فأذاقها الله حبّ غيره؟








