المخلص الثاني

بسم الله ، اللهم صل على محمد و آل محمد ، يا زهراء

آليت على نفسي أن أكتب ملخصا سنوياً ، للأفكار و التجارب و الحوارات و النقاشات و القراءات التي خضتها في مجمل الأماكن من جلسات أخوية، من السوق، من البالتوك و الحوارات و المحاضرات وغيره، و قد ابتدأت بكتابة هذا الملخص في شهر أبريل من هذا العام 2010 لكن لكثرة الإنشغال و الحل الترحال لم أفرغ منه إلا الأن، المتحدث في هذا الحوار هو العالم ، و المتلقّي هو تاج ، و هو أسم مستعار لي في معظم الأماكن التي أرتادها في الشبكة العنكبوتية و كلام العالم هي مضامين و نتائج الحوارات التي أكتسبتها و أنتهت فيها الحوارات و المجالس و جفت الأقلام و طبعت الصحف، أشكر كل من نقد هذا الملخص قبل أن أنشره على هذه المدونة و كل من عقّب عليه، و الشكر الخاص لــ

أخوكم

محمد

 

مدخل

يا تاج.. لست بنبي و لا وصي، إنما أنا بشر، فقد أخطئ و قد أصيب، و قد أقول كلام لا أطبقّه في حياتي و هذا داء أعظم ابتلينا به نحن معاشر المتكلمين. فإن رأيتني على شر فصوّبني و إن رأيت مني الخير فاقبله و لا تكابر (فبشر عبادي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَاب).

الحب

يا تاج.. لا تحب إلا الخير المطلق، فإنك إن أحببت شيئاً ستقيّم الأشياء من خلاله، و حبك لمن يشوبه بعض الباطل سيؤدي بك إلى تقييم الأشياء تقييم خاطئ. يا تاج.. هيَ ليست في الدين فقط، هي في الطب و الهندسة و الأقتصاد و السياسة و المجتمع، هي في كل شيء… إن الحُب يُعمي و يُصِم عن كل ما سوى ما يُحب الفرد، فاحرص أن تصم آذانك و تعمي بصرك عن كل شيء ما سوى الحق المطلق. كذلك قال الرب في الكتاب: (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ)، فلا تلتفت إلى غير الحق المطلق و لا تمضي إلّا إليه. هل عرفت الحق المطلق يا تاج؟؟ هل عرفت علي؟ كلا لم تعرفه، لكن اطمئن، أنا أيضا لم أعرفه…

 

يا تاج.. الحب ليس الإغترار بشيء، و الحب ليس الطمع بشيء، و الحب ليس أن تعجب بشيء، الحب ليس شيء مؤقت. الحب أن ترضي من تُحب بجميل أفعالك و أقوالك و بجميل خطرات قلبك و لحظات عينك، و بذلك تكتمل كرائمك و تتجمّل خصالك فتطهر و تخلص للحق المطلق، لعلي… الحب شيء باق لا يفنى، شيء حي ليس بميت و إن لم تره، فكم أدّب الحُبُّ بَليداّ؟ فَغَدا في مسلك الآداب و الفضّل رَشيداً؟

يا تاج.. الحب لا يعني أن تكون ضعيفا، و لا يعني أن لا يكون لك أعداء، و من يحب لا يعني إنه لا يكره بعض الأشياء.

الدين

يا تاج.. لا أكلمك بعد الحب إلا عن الدّين. و هل الدين إلا الحب؟ فمن لا يحب لا دين له. و اعلم يا نور عيني إنه لا يشترط أن يكون الأمر سماويا لكي يكون دينا. بل بإمكانك أن تطلق كلمة دين على مذهب فلسفي، أو تيار سياسي، أو طريقة إجتماعية. فهي كلها أديان و الدين هو ما تدين به. و أنا اعطيك ما في جعبتي من نصيحة نتجت عن تجربة عشرين عاماً بأن لا تدين إلا بدين عليٍ، فإن أردت العلم وجدته عند عليٍ، و إن أردت الحِلم وجدته عند عليٍ، و إن أردت الثقة وجدتها عند علي، و إن أردت حسن التدبير وجدته عند علي، و إن أردت الشجاعة تجدها عند عليٍ، و إن أردت الفتوة تجدها عند عليٍ، إن أردت القناعة تجدها عند علي، إن أردت الجمال وجدته عند علي، إن أردت الغنى وجدته عند علي، إن أردت المروءة وجدتها عند علي، كيف لا تجد كل شيء عنده و هو يملك كل شيء؟؟. يا تاج.. كل ما عندنا من علي..

يا تاج.. إن الدين فعل و ليس قول فقط، إن مرض ببغاوية الدين يجتاح العالم بأسره، إن هذا المرض يتفاوت من فرد إلى أخر، فقد ترى فيني ببغاوية، فإن رأيتها أستر عليّ يستر الله عليك. و الدين هي الثقافة، و ليست الثقافة حفظ أكثر قدر ممكن من المعلومات، بل الثقافة سلوك.

يا تاج.. أديان السماء لا تمثلها عمامة، و لا لحية و لا ثوب قصير، و أديان الأرض لا يمثلها أي قلم و أي إنسان. الدين يمثلونه رجال يختارهم رب الدين. و أديان السماء يمثلها رجال أختارهم رب السماوات و الأرض الذي نؤمن به. فدين الإسلام يمثله محمد و علي و ذريتهم الطيبة. فلا تذهب بك المذاهب، و لا تغتر بالكلام المزخرف. فإن أردت أن تتعرف على دين ما فارجع إلى أهل الدين نفسه، فإنك إن أردت أن تتعلم الطبابة فلا تتعلمها من أهل اللغة، بل تتعلمها من أهل الطبابة، كذلك الدين، عليك أن لا تأخذه تعاليمه إلا من أهله.

يا تاج.. كثير من الناس يعتقدون إنّهم ينتمون لدين، و هم في الحقيقة لا دين لهم، يعيشون من غير تمسك بمناهج الدين. و الكثير ممن يدّعون اللادينية ينتمون إلى أديان من صنع أهل الأرض. لا تتّخذ رجل من رجال الدين ميزانا للحق و الباطل فإنك إن فعلت ذلك فقد اتخّذته صنماً، و لا تكن ممن قال الرب عنهم (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ)، فبأس القوم هؤلاء المتعصبون لأصنامهم و مراجع تقليدهم، قد ضل من اعتقد إن الدين محصور عند رجال غير علي..

الجمال

يا تاج.. الكل جميل. لكن هناك الأجمل فالأجمل. لا ننكر يا تاج إن أول باب لمدينة جمال المرء هي مظهره و ما تشمل من مرئي كالملابس و ملامح الوجه المخلوقة و اللامرئي كالرائحة و ما تحت الستر. لكن كثير ما ينجذب الناس إلى الظاهر و يتفاجؤون من الباطن فينفرون. و ما الباطن إلا القلب و اللسان. فما يفيد أهل بيت أضاؤوا المصابيح خارج بيتهم و تركوا داخله مظلما؟ و ما يفيد أن ترى الكتاب بغلاف جميل و لكن مضامينه قبيحة؟ كذلك ما يفيد الفرد أن يكون جميل الظاهر، خبيث السريرة؟ أصب الظاهر و الباطن، تصب الجمال يا تاج.

يا تاج.. الجميل ليس هو المغري. الجميل جميل، و الاجمل هو من ترتاح له الأبصار و الافئدة و تلتذ به الأسماع و تستفيد منه العقول و تنجلي به الهموم و الكرب، و تطمئن به القلوب و تميل العيون لظاهره و تخضع الألباب لمنطقه و حسن تدبيره. و كل من يملك بعض من هذا فله مقدار من الجمال.

أما عن جمال النساء فلا تحدثني لكي لا يغضبن، ليست هناك أمرأة قبيحة، لكن واجب على المراة أن تتجمل، لأنها خلقت لتزيد الوجود جمال فيتوازن، و خلقت للرجل لتجعله متوازنا.

الرجولة

يا تاج.. قد نحل جسمي وخارت قواي عندما فكرت بالرجولة، فإنك لن تخالط رجل إلا و تستشعر بإنه يجرّ معنى الرجولة إلى الصفات التي تشابهه. لن آتيك إلا بما آراه حق يا تاج فاسمع. كل الرجال رجال إن كانوا يعتقدون ذلك بأنفسهم! و كلهم ليسوا برجال إن خالفوا المبادئ الكامنة في صدورهم. و مع ذلك و ذاك. ليست الرجولة و الفتوة في الفسق و الفجور أو التنابز بالألقاب. و قد جهل من قال إن الرجولة برفع الكتوف.

يا تاج.. فلربما لا يمر المرء بتجارب أو ضروف تثبت رجولته لكنه رجل. فهل لم يكن الله بصيرا قبل أن يخلق الخلق فيبصرهم؟ أو لم يكن سميعا قبل خلق الخلق فيسمعهم؟ فالبصر و السمع عين ذات الرب كذلك الرجولة عين ذات الرجل و إن لم تظهر.

يا تاج.. الرجل من كلامه و عمله جلي، فلا يُراوغ بكلامه و أفعاله، الرجل جليل المقام ، و لم ينال ذاك المقام إلا بالجد و العمل، و الرجل يرجّ الأرض و السماء بعظيم أفعاله و حركاته و سكانته و كلامه و صمته، فاجتمع رجّ و جُلّ فأصبحت رجل.

يا تاج.. الرجولة ليست بكثرة المال، و لا بكثرة الشهادات، و لا بكثرة الأولاد، الرجولة مبادئ و كفا. مالك يا تاج لا ترى بالعين الصائبة؟  أعلم أن الرجولة حق الرجولة هي ان تكون مملوكاً للحق المطلق، و هذه الرجولة التي تتعلمها من علي عليه السلام حين خطب بأهل الكوفة: يا أشباه الرجال و لا رجال.

الصداقة

يا تاج العزيز.. أطهّر لساني و فكري بكلامِه، بكلام علي عليه السلام حين قال: الأخوان صنفان، إخوان الثقة وإخوان المكاشرة،  فأما إخوان الثقة: فهم الكف والجناح والأهل والمال فإذا كنت من أخيك على حد الثقة فابذل له مالك وبدنك وصاف من صافاه وعاد من عاداه وأكتم سره وعيبه وأظهر منه الحسن، واعلم أيها السائل أنهم أقل من الكبريت الأحمر، أما إخوان المكاشرة: فإنك تصيب لذتك منهم فلا تقط عن ذلك منهم ولا تطلبن ما وراء ذلك عن ضميرهم وابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه وحلاوة اللسان.

يا تاج.. ليس كل شخص يلقاك بالتحية فهو صديق. كل صديق زميل ، و ليس كل زميل صديق.. و لا تصادق أي شخص فإن المرء يُرى بين الناس بعين من يخالط، فمن خالط العلماءَ وُقّر و من خالط الأنذال حُقّر، و لا تسل عن المرء سل عن قرينه ، إن القرين بالمقارن يقتدي. يا تاج.. ليس بشرط أن ترى صديقك في كل مرة، فقد لن تراه بعد فراق أبدا، فقد تختلف الأبدان في الأقطار ، لكن القلوب مجتمعة هناك ، عند الوطن الأكبر . . علي.

يا تاج.. تريد أن تمزح مع أخوانك  ، فلا رفث في مزاحك ، فإن المزاح يجرّ السخيمة و هو السب الأصغر كما قال علي. . و إنّ العقلاء ليفضلّون الصمت و الملل على المزاح السخيف. يا تاج.. أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما. لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.

يا تاج.. ماذا تعني كلمة صديق؟.. الصديق، يصدّقك حين يكذبك الناس و يكذّب من لا يصدقك، و يتصدّق عليك بعلمه و ماله و أهله من غير منّ و لا أذى، الصديق يُصادقُكَ بصدق و لا يقول لك إلا الصدق. يا تاج.. الصديق يدقّ بابك بالمواصلة في عالم الأرواح أو الأجساد و إنّه لا يأتي إلا من بابك فلا تراه يأتي من الجدار فيُعدّ سارقا أو خائنا أو مراوغاً. الصديق، يصدّك عن جهنم الدين و الدنيا و عن سوء السمعة و الفسق و الفجور و عن كل سوء.. لذلك أجتمعت الكلمات صدّ ، صدق ، دق ، فكانت صديق.

يا تاج.. قد يشتكي العاقل من قلة الأخوان و هذا أمر طبيعي.. و هل كان لأنبياء الرب أصدقاء و هل كان لعلي صديق؟ ، أوليس هو القائل: ما ترك لي الحق من صديق ؟ أفهم كلامي بصورة صحيحة يا تاج.

الجدّ في الحياة

يا تاج.. هنا أموت في هذا العام و أولد في عام جديد، خُلقت الدنيا للجد لا للعب، فلا تغفل طرفة عين في توافه هذه الدنيا و أعمل لما هو خير لدنياك و أخرتك، كثير هؤلاء من يحبون الأستمتاع و أخشى و للأسف إني كنت منهم. يا تاج.. و هل تلعب و تقضي وقتك بالتوافه و قد أفنى الطاهرون حياتهم من أجلك، أولسنا نخاطب الرب في يوم العشرين من صفر متحدثين عن ابن عليٍ الشهيد صلوات الله عليه : وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة. أولسنا نقرأ ما قال ابن عليٍ المعذّب بقعر السجون صلوات الله عليه : إن الله عز وجل غضب على الشيعة فخيرني نفسي أو هم فوقيتهم والله بنفسي. أولسنا نسمع أو نقرأ كيف قُتل ابن علي الشهيد صلوات الله عليهم أو لم يقرؤوا بإن . . .. ألا تستحون يا تاج أن تلعبون و تستمتعون بحياتكم و لا تسلكون سبيل النور و الرشاد و أبناء علي يشرّدون و يعذّبون من أجلنا ، من أجل أن نكون بشر، و في نهاية المطاف نرتع و نلعب و ننكر جميل ما صنعت أيديهم الشريفة. الكثير سألوني لم أنا جاد في حياتي، هذه القليل من الرشحات يا تاج.. يا تاج .. طهّر قلبك من كل ممثل و مطرب و مُلهي عن ما سوى علي. فقلبٌ يسكنه علي هو القلب الحي الذي لا يموت، أما القلوب التي تصفّق لغيره فدعها تخوض و تلعب، فتلك قلوبٌ قد خلت من حُب عليٍ فأذاقاها الله حُبَّ غيره… يا تاج..  إن شأت فانصرف.

2 تعليقات

  1. Nader
    نشر نوفمبر 17, 2010 at 8:04 م | Permalink | رد

    أعجز عن التعليق!

    • obdisobey
      نشر نوفمبر 20, 2010 at 9:33 ص | Permalink | رد

      مشكوور أخ نادر ، و سررت بمرورك و تعليقك ، موفّق يــا رب

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.